المكان الذي لا يغادره أحد.
هنا، في العالم الذي أعيش فيه، "المكان الذي لا يغادره أحد"
، شيء ما على وشك الحدوث، حدث جديد سيقلب كُل ما تعلمته وعرفته أو بالأحرى ما تم
ترسيخه بداخلي على أنه مسلمات وحقائق لا وجود لسواها، ولذلك، لم أتجرأ أبداً على
مغادرة "المكان الذي لا يغادره
أحد" ، حتى عثرت على مذكرات جدتي، التي وُلدت مؤُخراً، ورحلت إلى الأعلى، إلى
"المكان الذي لا يذكره أحد" ، والذي دائماً ما نتجنب الحديث عنه نحن
سكان هذا العالم، والذي لا يعني الصعود إليه أي شيء بالنسبة لنا غير الكفر أو
العقوبة الأبدية ، أو هكذا أخبرنا "الأشخاص الذين يعرفون كل شيء" ..
يبسط الأشخاص "الذي يعرفون كُل شيء" سيطرتهم على كُل شيء
تقريباً هنا، يجبروننا على ممارسة طقوس لا يشرحون لنا حقيقتها، يقولون إنها سبيلنا
للخلود في هذا المكان، وأنه في حال امتناعنا عنها ستلتحم جلودنا وتختفي زرقتنا
وتتلاشى رائحتنا وعندها سنولد ونرحل إلى "المكان الذي لا يذكره أحد"
والذي كان الجميع يتجنب الحديث عنه ويخافه.... يُطلق على هذه الطقوس " انعدام الرغبة في
الحياة " تتمثل في جُمل نرددها باستمرار مثل " نعوذ بالذين يعرفون كُل شيء مما يُسمى شعوراً، جحيمنا
في الأعلى ونعيمنا في الخلود هنا " كانت هذه الكلمات بمثابة صلواتنا، أما
الطقوس الجسدية فتتمثل في أن نسير نحو مناطق أعمق بداخل "المكان الذي لا
يغادره أحد"، حتى تتفسخ جلودنا أكثر وتزداد رائحتنا نفوذاً" وكلما كنا
أشبه " بالأشخاص الذين يعرفون كُل شيء " - والذين لا أملك كلمات كافية
لوصف أشكالهم حتى الآن - كلمنا دل ذلك على أننا أكثر إخلاصاً في صلواتنا وأقل
تهديداً لهم.
في المكان الذي لا يغادره أحد، لا نملك كلمة واحدة لنختصر ونعبر بها
عن كلمات كثيرة وجمل طويلة.. ولا مشاعر او أحاسيس لنعبر عنها، فإذا أردت أن أصف
شعر جدتي الأحمر الجميل، فسأقول.. جدتي ذات الشعر الأحمر.. لا وجود لكلمات مثل
صهباء لدينا.. وسأنسى أن أذكر بأنه جميل بطبيعة الحال لأنه لا معنى لهذه الكلمة
هنا - وإذا كنت قد استخدمت كلمة واحدة
ومختصرة لسرد قصتي أو شعوراً أصف به موقفاً معيناً، فذلك لأنني أدركتها بعد
مغادرتي لهذا المكان- هنا لا نحتفظ بشيء
مما نقوله، لذلك فالكتابة والقراءة محرمتان لأن ما ينبغي على الأجيال القادمة هنا
تعلمه وإدراكه هو الطقوس التي فرضها الأشخاص " الذين يعرفون كُل شيء علينا
" فقط. أما أنا فقد علمتني جدتي الكتابة والقراءة بسرية تامة قبل أن تولد
وأخبرتني بأننا سأحتاجهما يوماً ما ولم تخبرني عن السبب، وهكذا استطعت قراءة
مذكراتها التي كانت تخبئها عن الجميع ... وعني.. والتي عثرت عليها بعد ولادتها..
في هذا المكان، يمثل الشعور تهديداً حقيقياً لنا، إنه شيء سيء، لا
نملك نحن سكان هذا العالم القدرة على تخيله أو فهمه لكننا نتجنبه ونهرب منه على أي
حال، يخبروننا بأن الشعور هو لعنة "المكان الذي لا يذكره أحد" فيخاف
الجميع الولادة، لا أحد يرغب في أن يولد، أما من يختارون أن يولدوا – وهم قلة من
بينهم جدتي - فقد قيل لنا بأنهم يمثلون
تهديداً لاستقرار عالمنا، وأنه بولادتهم سوف نخسر خلودنا لذلك يحاربونهم ويتم
نفيهم بداخل أعمق حفرة بداخل "المكان الذي لا يغادره أحد"..
كان كُل ذلك قبل أن تلتقي جدتي بالدخيل "الذي لا رائحة له"
... وتنكشف بسببه الخدعة التي كنا نعيشها بالكامل ...
"
على الرغم من الافتراض الشائع بأن جميع من يعيشون هنا يخشون الحياة ويخافون
الولادة وينفرون منها، فإنه وللمفارقة العجيبة، لا طالما انتابني الفضول لمعرفة ما
إذا كان هناك شيء ما في الأعلى ".
غريزة الحياة “إيروس " كما
يُطلق عليها سكان " العالم الذي لا يذكره أحد " والتي تولدت بداخلي منذ
أزمنة طويلة قضيتها في هذا المكان.. قوبلت من قبل سكان هذا العالم بالطمس والتهكم،
وأحياناً بالعقوبة والتهديد ... تحت تأثير مذهب راسخ تمت برمجتنا عليه على مدى
سنين طويلة ... وهذه المفاهيم لا تشمل طمساً فكرياً فقط – إذا اعتقدنا بأننا نفكر
في الأساس – بل قمعياً جسدياً يُقاد بواسطة قائمة طويلة من المتطوعين المتحمسين
الذي يكلفهم " الأشخاص الذين يعرفون كل شيء" بالإمساك بمن تظهر عليهم
أعراض " ايروس " ... وما سهل ذلك، هو تصميم عالمنا بطريقة نكون فيها على
مرآى من " الأشخاص الذي يعرفون كل شيء " والمتطوعين المكلفين بمراقبتنا،
أما نحن.. فلا يمكننا في أغلب الوقت رؤيتهم او حتى الشعور بوجودهم.
لا جداران هنا، ساحة مفتوحة وممتدة إلى أبعاد لا نملك العمر الكافي لاكتشافها،
وإن امتلكنا، فالمذهب الذي يقول بأننا كُلما ابتعدنا عن مركز المدينة سنولد وينتهي
موتنا، يدفعنا للخوف من المحاولة، حتى لو لم يكن للخوف معنى لدي حتى ذلك الوقت،
لكنه أشبه بقيد يحد من حركتنا، ويمنعنا من المجازفة..
مركز المدينة عبارة عن جذور لما عرفت فيما بعد أنها شجرة ضخمة تمتد
نحو الأعلى، جذور كبيرة جداً، متشعبة ومتشابكة يسيطر أصحاب النفوذ، "
العارفون بكل شيء، وعائلاتهم، وأصدقائهم، ومتطوعيهم وخدمهم" على المناطق
القريبة من المركز ... تُبنى مساكنهم بحيث يقطن المتطوعون المراقبون عند قمة
الجذر، ليتمكنوا من مراقبة الجميع، وتتخذ العائلات الحاكمة " عائلات العارفين
بكل شيء " مكاناً عند أسفل الجذر، محاطين بالتربة الخصبة الرطبة التي تتيح
لهم ممارسة الطقوس يومياً والتمتع بالموت أكثر من غيرهم ... أما البقية فينقسمون
بين قلة تعيش بمحاذاة الجذور حسب درجة قربهم وشبههم بالعارفين .. وحسب إخلاصهم
وتوددهم لهم، ويتكدس معضهم عند الحواف الأقل سمكاً.. على هامش الموت.. يقضون عمراً
كاملاً من الموت في محاولة الوصول للمركز، دون أن يخطر ببال أحدهم بأن الخلاص في
الاتجاه المعاكس تماما ...
يقل سمك الجذور كُلما امتدت لمسافات
أبعد، وهذه المسافات أيضاً لا أملك علماً كافياً بالحسابات لتقدريها.. لكن يمكن
للشخص منا السير بمحاذاتها لمدة تزيد عن أربعين يوماً، قبل أن تسيطر عليه غريزة
الحياة " ايروس " ويرغب في أن يولد، وبالطبع، لم يجازف الكثيرون بذلك
... اما أنا، وبعد موت حفيدتي – والموت هنا ليس عكس الولادة بل هو مرادف لها في
هذا العالم - برائحة مختلفة عن تلك التي نملكها جميعاً، فقد قررت الهرب بها بعيداً
عن المتطوعين الذي يسخرون أنوفهم المشوهة للتأكد من نفاذية رائحتنا وحرصنا على اداء
الطقوس والصلوات ... حملت حفيدتي ورحلت
بها بعيداً جداً ... إلى أبعد نقطة ممكنة
.. إلى منطقة لا يجرؤ المتطوعون أنفسهم على الوصول إليها.. وهناك.. في مكان يبعد
عن المركز مسيرة أيام.. قابلت الشخص الدخيل الذي لا رائحة له .... "
تعليقات
إرسال تعليق